الاثنين، 28 مارس، 2011

السجين 511.

السجين 511 .

هكذا يكون السجن في أبهى حلته , وكذلك تلد الجريمة أختها , بجبروت مقسم على غرف ضيقة منتنة , على ظهور أسرًّة متعبة , فيغسل المولود وجهه بملوحة الحياة ..

هناك ستتعرف على معنى الغضب , ملامح الغضب , صوت الغضب , صمت الغضب , ستجده مطبوعاً على كل الوجوه الثابتة أو المتغيرة , كل الوجوه تزرع الغضب .
الجدران لغة السجين , والصفحة الوحيدة الصالحة للاستخدام , هي منبر الحرية والتي لم تعد بيضاء , ستجد من كتب عن ابنته هناك , ومن ذكر خطيبته هنا , ومن تحدث عن والده وعن ابنه وعن أخوته , الكل يتكلم بالكتابة ولو كانت اللغة بعض الأحيان غير مفهومة ..
لن تسعف اللغة الجراح , ولا أملك من البلاغة ما يضع كل كلمة في طريقها الصحيح ليصل لك الوصف الذي أريد , فمهما تحدثت عن الرائحة المزعجة هناك لن تصاب بالغثيان جراء الرطوبة المنتنة المغروسة في أنفي , لايمكن تسجيل كل الضجيج المتفجر هناك كما هو وكلمة نشاز واهية تماماً أمام الوضع فلن تحشو أصابعك في أذنيك جراءها , الظلام كثير هناك حتى أنه يحجب الأفكار عن رأسك , عن ماذا تريد أن تسمع " عن الحيوانية التي تمارسها الإنسانية هناك ..؟" .
كل هذا الأمر الفظيع اعتدته , وسأترك الحديث عنه الآن لما هو أشد علي من السجن , عن ذلك اليوم البائس , الذي جاء يخفي أكثر مما يظهر , عندما كان الوقت يمر فارغاً تماماً , كأنما الساعة تجر دقائقها جراً , كان يمر صامتاً (هذا أبلغ وصف) , ولاشيء يدور هنا في رأسي سوى كيف سيكون موعدنا الأول كيف يمر وكيف سينتهي , ولا شعور يعبئ صدري سوى الخوف مجرداً تماماً من أية لذة , كان كل ماحولي يأتي بارداً خالياً ضبابياً غير واضح الملامح , كان ذلك يوم الإفراج المؤبد ..
لحظتها كنت تماماً كنقطة انكسار لا أعلم إن كان سيستقيم الحال بعدها ..؟
خطواتي واهنة , أكثر من مرة كدت أسقط حتى بالكاد عبرت البوابة , عند البوابة كنت أغطي عينيًّ بيدي لم أكن أحميها من الشمس بل كنت أحمي كرامتي الباقية من السقوط مع البكاء , وبي صرخة وليد يتأمل فجأة كامل الحياة وأمامه الكثير ليتعلمه غير أنه فاتني الكثير لأتعلمه , معنى واحد فهمته في كلمة "غلاء الحرية " .
أتخبط كمجنون وأتلمس ملامح الكون من حولي كأعمى بعيون غائرة عميقاً , كنت كمن يرى أصل الأشياء , كل مايظهر لي كان باطن , الماء النظيف معجزة , الهواء النقي حلم , وللرائحة الطيبة عظيم الإمتنان .. اغسل وجهي وأنا أشعر بالعبودية لتلك المياه الدافئة , والسرير من دون صرير ولا اهتزاز الموده والرحمة المذكورة في القرآن , أنظر لغرفتي السابقة كقطعة من الجنة وكأنما دخلت السجن كافر وخرجت كلي إيمان .
تعرف السجن أعظم مدرسة .
كان الكل يبارك خروجي من السجن ولم يدرك أحد عداي أني خرجت من السجن أحمله في صدري كعقوبة أبدية , كعلامة فارقة على جبيني , أتذكر أيامه بغربة مشوَّهة..

رغم أني بلاقيود ولا حواجز غير أني كنت لا أزال سجين ياصاح .

هي لقيمات من الحرية لم يشتدَّ بها عودي بعد , كانت بين يدي أمي وعلى حجرها , عندما كانت تمسح عن رأسي أفكاري الغائمة بنشيدها المتهدج أو صوتها الخافت بالأذكار , كانت لذيذة .
.
.
ولماذا تركت هذه المساحة الصغيرة من الحرية وعدت ..؟
مممــ....
لأن هذه المساحة الصغيرة من النور أخفاها عني التراب !

هل أعتبرك أقدمت على الإنتحار ..
..

غ/م :
لقد دخل صامت وخرج صامت ولا أظنك ستجد من يعرفه .

ف / ك :
هو معتوه بلاشك , كنت دوماً ما أراقبه لساعات وهو لا يرفع بصره عن الشباك , حتى أني مرة غفوت وصحوت وهو لايزال شاخصاً بصره هناك , أظنه إما مسحور أو مسكون .

ن / ط :
على رغم كونه مداوم على الصلاة إلا أني أشك أنه كان يؤديها , كان دائماً مغيب الذهن كلياً , أظنه كان يتمسك بالصلاة بالكاد كمحاولة أخيرة تبقيه على إيمانه .

س / ح :
تعرف أن الكل هنا يدخل ويخرج وهو لايزال في قمة الغضب , إلا هو , كان الكل يثور لأتفه الأسباب وهو يكتم غيضه كأنما يضع مشاعره في فريزر .

ص / ر :
لايجوز على الميت سوى الرحمة , اذكروا محاسن موتاكم , لن أقول غير ذلك .
.
.
..

يبدو أن هذا الفعل ناجم عن الكبت كإنفجار , والقتل وإن كان وقد وقع فهو لم يكن مخطط له , قد يكون صاحب الدكان قد أثار غضبه بطريقة ما قتلته قبل أن يقتل ..

إغلاق .
ورقة مرفقة مع الملف ..

كتب عليها " كلنا ذلك السجين " , أحدنا سجين المال , وآخر سجين الشهرة , بعضنا سجين الرغبة , ومنا ماهو سجين الطموح , حتى الكبرياء هو سجن , الغرور سجن , الأحلام سجن جميل ومرتب كأنما هي حظر للخروج من داخل قصر , الأيام سجينة التقويم , السنة سجينة العمر , العمر سجين ماهو مقدر ومكتوب , الحرية فقط في الرضى , الحرية لاتكون إلا في العبودية أي في الإيمان ..
وليس الجميع جدير بهذه الحرية .

القوانين تغذي السجن .
 
القبيلة أقدم سجن .

هناك تعليق واحد:

زيكو يقول...

هذي التدوينة استعصت علي :(

اعجبني وصف السجن خصوصا
ٍٍِِْْْ[لن تسعف اللغة الجراح , ولا أملك من البلاغة ما يضع كل كلمة في طريقها الصحيح ليصل لك الوصف الذي أريد , فمهما تحدثت عن الرائحة المزعجة هناك لن تصاب بالغثيان جراء الرطوبة المنتنة المغروسة في أنفي , لايمكن تسجيل كل الضجيج المتفجر هناك كما هو وكلمة نشاز واهية تماماً أمام الوضع فلن تحشو أصابعك في أذنيك جراءها , الظلام كثير هناك حتى أنه يحجب الأفكار عن رأسك , عن ماذا تريد أن تسمع " عن الحيوانية التي تمارسها الإنسانية هناك ..؟" . ]

وصف رهيب خصوصا الحيوانية التي تمارسها الانسانية هناك

ما فهمته هو وصف الدنيا يسجن وانه انتحر ليصل للحرية المؤبدة :) والا انه خرج وعرف الحرية ثم مات منتحرا لأنه عرف الحرية؟؟ المهم اني ما فهمت لكن وصلني المغزى من الكتابة

اللهم قنعنا بما اعطيتنا وارزقنا الرضى