الخميس، 23 ديسمبر، 2010

ظــل "Espresso" .



الاسبريسو تُّعدْ الذهن الصافي والسيجارة تحمله على خيط الدخان عالياً حيث يرقد المزاج اللعين , يرهقني فعلاً وأحاول الحصول له على أي مهدئات أو مخدرات تقضي عليه .. أي سمَّ هارٍ أسكبه له في كأس واختار له نخباً
(game over ) أو (time out)
.
أريد أن أسقيه له بيدي هاتين حد الثمالة , حتى ينتهي ذلك السباق اللعين بيني وبين الزمن وأتنفس الصعداء وأحبس كل الهواء النقي داخل علبة صدر معبأة بالأدخنة .
ثلاثون سنة وأنا أركض في مضمار ولم يحدث أن شاهدت أحد المتفرجين ولا أوقفني حكم , أزيد كل مرة من سرعتي لأسبق ولو جزءاً من الثانية الثانية التي أصمتني بـ"تك" وكل ثانية أتأكد أنها سبقتني ..
أركض في مضمار هو نفسه يجري .
فأر زينة يحاول التغلب على عجلة صنعت لتسليته ويرهق نفسه للتغلب عليها " هذا أبلغ وصف ينطبق علي " .
ستجدني النسخة المتحركة من الحظ العاثر , وأول من تنبأ بمزاجي العكر ونفسي السيئة أمي , فكانت توبخني كل مرة أسرق فيها كوبها الأخضر المعتق وأشربه بارداً وأتلذذ بالسرقة أولاً والمعتق ثانياً , سمعتها مرة تخبر أبي أني سأقضي عليها باكراً بعدما خطفت من يدي فنجان أم سعيد جارتنا والتي قرأتْ فيه موت ابنها , المتعة في الباقي من كدرة القهوة التركية في أعقاب أكواب أولئك النسوة المعدَّة للقراءة ويبدو أني لعقت كل الحظ العاثر الذي يعترض طريقهم , ليتأكد لي إنما أنا حظ عاثر متحرك والنسوة في حياتي محض كدرة
يالـ أمي المسكينة .. ماتت قبل أن تُعلَّم حفيداتها التطريز والخياطة ,قبل أن تُعلًّمهم أصول إعداد السفرة وأصول الضيافة وطريقة تقديم القهوة السادة الواجبة في العزاء , قبل أن تعلمهم أسرار قراءة الكف ونشر الودع والصدف وكيف تفسد كتابة القهوة التركية بالتفسير ..
بناتي الأقل حظاً من بين البنات فسيكبرن بسرعة وبفراغ , دون أن تختلط رائحتهم برائحة طيبة جدة , من غير عبق ريحانها السكينة ولا غصن سدرة تزرعه تحت وسائدهم لتمنع الأحلام الفاسدة من التطاول , من غير خرزة زرقاء تخبئها في طيات ثيابهن تمنع عيناً وحسداً .سيكبرون دون أن تُطبع على شفاههم كلمات أمي ولا على حياتهم تجاربها .
وأنا المسكين الذي ترك زوجته تغادر دون أن يحظى بابنة تحمل كروموزوماتها , تأخذ ضحكتها المكتومة وغمازة خدها اليمين و ذقنها المتحفز لقبلة , من غير بحة الكلام وصمت الخجل وصخب العفوية البالغ من غير أي ذكرى حيَّة يبتسم لها ..
غادَرَتْنِي و غادْرتُني ..
لا تظن أني أقلب أيامي السوداء أمامك أشكو الوحدة , فالوحدة عزاء قلبي , أما عقلي يا صاح فيشكو العتمة و الشريط المشغل فيه رديء ‘ الصورة مهزوزة والصوت في كامل ضجته وبقية الحواس معطلًة .


الدماغ فوضى عارمة , يحتاج لتصويب فوهة مسدس نحوه ليهدأ الجميع فيه ويستكن سموت الخوف أكيد من الرجفة , لكني أعرف جيداً أن أول من سيستسلم للمسدس ويرفع يديه هو النوم ..
النوم
النوم
النوم .
مذ رحيلها لم أذق طعم النوم , أرق طويل بلا انقطاع , وفزع متواصل , كل يوم أعد حلم عودتها بكامل زينتها وابتسامة رضى على ثغرها ولا تأتي .. رغم أني أستقبل النوم بكامل أناقتي .. فلا هو يحضر ولا الحلم يحضر ولا هي تزورني في يقظتي ..
ولا أعلم لما قد تكون غاضبة مني لهذا الحد , كانت ملاكاً ورأيت من الواجب أن لا تدنسه لمساتي ولا تعكر مزاجه همساتي , خبأتها في زجاجة كعصارة خمر معتقة يجب أن تبقى مرفوعة لذلك اليوم الذي ربما نموت وهو لم يأتِ بعد , للًّحظة التي أتطهر فيها من سواد ودنس وكذب وخداع وتتخلص هي فيها من أجنحتها ثم تلقي طوق الملائكة من على رأسها , نعود لعهد آدم وحواء من غير أن يزاحمني إبليس في دمي ولا تمنعني هالتها الفضية من أن أعيشها ..
وترميني بتهمة الخيانة بعد ذلك ؟ , هي كثير علي وأنا حافظت على المسافة المقدرة بيننا وفتشت في جموع النسوة عن امرأة لعوب ماكرة تشبهني تعرف معنى السيجار البني والليالي الحمراء وكيف تسرق الساعة من اليد دون أن يشعر أحد , فيلعن كلانا الآخر من غير أن يشعر بسوء أو يساوره ندم , نكون شخصين ناضجين لا يبحث أحدهما في الآخر غير بشر .
تعرف أن داخل كل شخص بيت صغير يغلقه عن الآخرين لا يدخله أحد وأنا خفت عليها عند الدخول لذلك البيت أن تصاب بالربو أو تنكسر , البيت الخرب فتحته لكل النسوة عداها والآن فقط أدركت أنه يحتاج ليديَّ مَلَك ليعيد بناءه والملك نفض ريشه وغادر .
بارد وثقيل هذا هو مزاج أيامي الأخيرة ..لا تعجب من خلطي أعقاب السيجار بالباقي من الاسبريسو ستعرف ذلك الطعم عندما تعود للبيت وبيدك عاهرة ..
ششششششششش ..
نعم ..
عاهرة , ألبسها طوق الملائكة وأطلب منها أن تتحدث بعفوية وتضحك بدون صوت بغمازة على خدها اليمين و شعر في دبوس وكأنه انتهى للتو من ترتيب المنزل , لكنهم يفشلون دائماً بالتصنع لا أحد يمكن أن يكونها بعدها أتحول لوغد ثم أسحبهم من الناصية الكاذبة وأطعمهم للطريق كلاباً ضالة .


وأنت الملام في ذلك ولا تعتب , حضورك الصامت ورحيلك الصامت يخلق في نفسي الفراغ المدمر , ذلك المدى الطاحن , أخرج لك بداية نهاري استقبلك على عتبات المقهى و اختار لك مزاجك المفضل وجريدتك المفضلة و كتابك منزوع الأفكار وأناولك الشاي وأشعل السجاير وكل مرة أحاول تبديد صمتك بكمية لا بأس بها من الضجيج والصخب المعجون في صدري , اختار لك حزناً , ضحكة , فرحاً , حباً , خوفاً وتحتفظ ملامحك في جميع الحالات بوجه معفر معتم ذي خلايا ميتة كالح أسود , أخرج لك وكلي إنسان يحاول يصنع من الطريق إليك حكاية ويحبك أغنية ذات سلم موسيقي معوج يناسب تفكيرك ويعود منك خالي اليدين لا حكايا ولا أغانٍ , صديق ينتهي به الطريق لهاوية يسقط منها إلى بقع سوداء متناثرة في حياته وكميات من الفشل المراق والعفن ..


العفن ..

لا أعلم وأنا أردد كلمة العفن لم أشرت إلى صدري ..
طين أنا رطب وعندما تطرق هنا سيفتح لك الدود وقلبي شجرة الزقوم التي تتفرع أشواكها في أنحاء جسدي , تنهش النوايا الحسنة قبل أن تولد , جففني من عصارة الندم وأزح عن وجهي طبقات الملح ..
أشعر بجوع وعطش ..
وأن أحمل صحناً فارغاً ..
أن أسير بثياب متسخة رثَّة ..
أن ينطبع الرماد على شفاهي ..
لا يعني ذلك أني فقير ..
الفقر يجيد التلَّون كالحرباء ..
أتريد أن ترى الفقر بوجهه الحقيقي .
أنظر لوجهي .
ستعرف كل معاني الفقر ..
فقر المشاعر مدقع ..
وفقر الحب كارثة ..
وفقر الحيلة بالغ السميَّة ..
وفقر الحياة موت ..
لذلك ستجدني مت ثلاثين في عمري وأكثر..
أنا مجرد جثَّة تتجول في الطرقات , أنياب كلاب ضالة , مخالب ذئب , قطة تفتش في القاذورات , وأقدام بشر وبصاق بشر ومخاط بشر , ومناخ بارد جاف يخترق الصدر , تسير الجثة تبحث على وجه المنفى عن قبر .
.
يا ظل يا نزق , يا إمعة يا تافه , متى تنفك عني أو أتخلص منك , طوال هذه المدة وأنا أشحن همتك , أحاول فتح لغة للحوار معك , إيجاد طريقة للتفاهم ولكنك لا تفهم , والصمت يأكلني ويدفعني حثيثاً في الكلام والكلام دون فائدة ..
إما أن لاتعود بعد رحيلك هذه المرة , وإما أن نتبادل الأدوار والأمكنة .
 
(ركز في كوب القهوة , احبس رائحتها اللذيذة وستخبرك عنها المزيد ) .

الأربعاء، 1 ديسمبر، 2010

"فسوق" ذلك الأشر .

عبده خال ..عبده خال ..عبده خال ..
هذا ماكان يدور في ذهني حال دخولي المكتبة ..
أي مطبوعة أي منشور أي مقال لعبده خال وإن وجدت بأي كمية سأخرج بها كلها ..
لكن كعادة وطني الحبيب وبلدتي الصغيرة الغبية لم يوجد على رفوف ثلاث مكتبات سوى "فسوق"
وأدخل بعدها في هلوسات باوللو كويللو عن لغة الاشارة والإشارات الكونية والرسائل المختصرة و المخبأة في الأحداث اليومية ..
سيمر علي اسبوع فسوق لامحال (:

تعوذت من الشيطان الرجيم وفتحتها ببرود ويدي ترتجف وكأن اسمها أو أجزاء منها ستعلق بيدي , يجب أن أفصل في الأمر , بقيت بين يدي اسبوع كامل وأنا أحاول إنهائها ..
هي غريبة في الفكرة والبداية مختلفة عما نقرأه دائماً ..
بالطبع كان جو الرواية معتم ورطب جداً ورائحة المكان كريهة جداً ستمسحها عن أنفك لمدة اسبوع  .

جثة هاربة من قبرها ..؟"عنصر التشويق "والذي سيسحبك إلى اخر الرواية .
وتحول الشخصية من عاشق إلى مجرم إلى أب ثم إلى يكون وقت رد الدين أمر صعب أكيد لكنه كان في الرواية بغاية البساطة حتى أنك لن تشعر بذلك أبداً ..
الكثير من النميمة والشك والخبث والسوء , الكثير من العفن والطين المبلول والغبار , الكثير من هتك أسرار الحياة والبيوت والمرأة بأخص والمقبرة ..

ستزيح عنك فكرة قدسية ومهابة المقبرة , الأحداث في أسوار المقبرة والشك يحوم حول السور وأن القبار بشر ..
ستخرج ولاتعلم هل صاحب الذنب مخطئ ويجب عقابه أم هو مظلوم أيضاً , الكثير من قلب الحقائق ستعرف حينها معنى " إن من البيان لسحرا" ..

للمرة الأولى أتعرف على عبده خال من خلال رواية , وكانت لغته جميلة واسقاطاته مجنونة والربط والحل بين الأحداث جاء غير معقد ومسترسل , غير أن القناعات يشوبها اختلاف ..

والأمر كله محشور في رواية من الحجم المتوسط في 255 صفحة عن دار الساقي والطبعة الخامسة وكانت الطبعة الأولى سنة 2005حيث انتهت الرواية وتمت ..

جاء في الإهداء "إلى هاشم الجحدلي : نقف معاً في مكان رث لنستنشق هواءً فاسداً .."
وفي ظني أنه جاء كاعتراف ..


مقتطفات من الرواية :
تحمل الأوراق روائح من تتحدث عنهم , حتى وإن كانت روائح اصطناعية , فالورق يحمل نية الكاتب الأول , كما الحلم يحمل الحقيقة ..ولايحملها .

مقولات عاقر كإبرة لاتحمل خيطا , تدخل وتخرج في البزة من غير ان ترتقها ..

جلست كمصور يغمر فلمه تحت الماء , وأخذ ينتظر انقشاع غبش الصورة . كانت ملامحها تتراقص من تحت ماء الأقاويل  شيئاً فشيئاً .

يجلس على طرف المقعد المواجه لمكتبي , بوجه عابس , كالوجوه الملكية المسكوكة على العملات القديمة , تجلس بمهابة التاريخ المزور الذي لايعنيها اكتشافنا له , بقدر رسوخه في ذاكرتنا .

كلنا يشيد بيتا في داخله ويرتبه كيف يشاء , في ذلك البيت الداخلي , نخبئ مالا نحب أن يكتشفه الآخرون ...

كان يسير كصنم تم ترميمه .. لا أحد يعرف مواقع تصدعاته إلا هو ..ويحرص تماما على ألا تظهر لأحد ممن جاورهم في سنواته الأخيرة ..

فاقد الدهشة كائن ميت .

في زمن الأحلام المرة لانتذكر إلا الماضي ..

عندما لاتجد منفذا للوصول إلى وجه إمرأة , ابحث في صوتها عن شخصيتها .

عندما تخلق سجنا كبيرا على الناس أن يتدبروا كيفية الهرب .

فقد الحرية يفقدنا المساواة والمساواة تفقدنا العدالة وضياع العدالة يجعل الظلم شخصا مجسدا .

عندما تخاف من قول رأيك فأنت لاتستحق أن تعيش ..حينما خلقنا الله خلقنا أحرارا ..حرية مطلقة , وعلى الجميع أن يحافظ على هذه الهبة من غير نقصان .

.

والنهاية كانت مقززة فعلاً , لكنها اكتملت رواية .