السبت، 5 ديسمبر، 2009

في غياهب الحرف ..!

حالياً يتوالد لدي شعور شنيع نحو القراءة , حالة نفور عجيبة , هو لم يصل للبغض ولكنه على شفا جرف هاو , رغم كوني لم أفقد شهيتي بعد في شراء الكتب والروايات وحتى المجلات , قد تكون فوبيا قراءة .


أدرك أن القراءات التي عبرتها هي في الواقع عبارة عن قناعات ’ وكل ما يرسمه الحرف هو شعور قوي لدى أحدهم يود وصوله مما يعني أني في خضم القراءة سيتم غسل دماغي أو تغيير مبادئ وحرف فكري عن مسيره مهما كانت تلك الأشياء جيَّدة أوسليمة , مجرد شعوري بذلك يولد عندي هذا الخوف .




لذلك أنا لا أعطي اهتمامي لشيء حتى يكون لائق فعلاً حتى يبارز ما أنا عليه , ولا يحظى بوقتي سوى قليل وقليل من قليل من الكتب أو الكتَّاب .
فبعض السطور عندما تمر بها ستجد نفسك أعزل في معركة فكر على أشدها ‘ بين قناعاتك وقناعات يحاول الكاتب زرعها لديك , وبعض الحروف ستجد لها أثر التنويم المغناطيسي فحالما تنتهي منها تجدك تردد ماجاء فيها بالنص .


ربما يرى البعض أن ذلك مما يحمد لا مايكره ‘ نعم هو كذلك , لكن من الخسران المبين أن تحتدم في صدرك ملحمة وفي عقلك حرب ضروس ويكون ما مررت به ليست سوى سطور مزيفة وكلام لم يتعدى كونه حبر على ورق , حروف كتبها أحدهم ليظل كاتب وطبعها أحدهم فرد عضلات ونشرها آخر من باب دخل وباب رزق , حروف صماء أو ميتة كتبت ربما حسب الموضة أو كانت نوع من أنواع مادة الإنشاء "العناصر المهمة والمقدمة والخاتمة " .
فيصنع فكرة ليفجر فكرة , ويحصد فكرة ليزرع أخرى , يمسح أفكار ليرسم بدلاً منها غيرها , البعض والله كذلك ’ تراه يكتب نص لم يتجاوز ورقته أو صفحته ليصنف من الكتَّاب وهو لم يتعدى كونه كذَّاب .


أرى منهم من جعلوا من السحر والمسَّ والعين والحسد مادة جديدة وخام , وفكرة قابلة للطيران , من جعلوا منها قصص وصور وأحاديث فقط ليجربوا شيئاً جديداً لم يخوضوه من قبل , أو يجدون فيها متسع من الوقت للسخرية والضحك .
هو يستل القلم ويطارح الورق ويكتب بسخرية عارمة عن شاب فاقد عقله جراء سحر وفتاة تعاني من المس و ..إلخ , يتهمهم بالجنون , وأن الأمر لا يتعدى كونه محاولة فاشلة لتبرير فشل أو خسارة , يكتب ويكتب ثم يغلق الدفتر ويعود إلى حياة طبيعية , نوم ‘ مأكل ‘ مشرب ‘ حياة اجتماعية هانئة ‘ أحلام ‘ طموحات , في حين من كتب عنهم لا حلم لديهم سوى الخلاص ولا طموح لديهم سوى محاولة الحياة , يصارعون أنفسهم , يتقاتلون داخلهم , متعبون , بين الحياة والموت هم الشعرة .


هو يغلق قلمه .


وتنطوي صفحته عن فتاة لا تريد أن تحلم , هاربة من النوم إلى السهر , تحاول جاهدة أن تبقي عينيها في حالة (on) طوال اليوم , لا تهتم بالكم الهائل من الهالات السوداء تشوه جمال عينيها لأن هناك من سيشوه وجهها في منامها , عن قطط سودا تخربش في أعماقها ‘تهرب, عن ثعابين تتلوى على ذراعيها وساقيها , عن أسد جائع بفم مفتوح وأنياب جادة في البحث عنها , عن ذلك الذي تجهله لا ينفك عن مطاردتها بفأس يتقاطر منه الدم يستأذنها أن يأخذ رأسها , عن السقوط / عن الدود / عن رائحة عفنة للدم / عن جنيَّ يزورها كل فترة بين حلم وحلم ليخبرها كم هو يعشقها ولن يفقدها .


تنطوي صفحته عن شاب في مقتبل العمر , في مقتبل الحياة , في مقتبل النجاح , في مقتبل الفرح , يمسي يدرك العالم في أدق شؤونه ويصبح لا يدرك اسمه , أحدهم يضغط على عقله , يوثق فكره , يكبل فهمه , يغيَّبه عن أهله / أصدقائه / أقاربه / أحبته / خطيبته , ويطلقه للضياع والتيه , يتركه كجهاز ريبورت هو من يتحكم في ضحكته وكم من الوقت سيستغرق قلقه , كيف يجب أن تكون عليه رغبته , ارتجاجه واتزانه , يدفعه قصراً للعزلة والإبقاء عليه في بيت شبه مهجور , لا أحد يهتم به ولا أحد يستطيع في الواقع أن يصله حتى لا يتسنى لهم أن يدركوا حقيقة الأموال التي تغادر وطنه إلى وطن خادم كان له .


تنطوي صفحته على رئة تضمحل , صحة وعافية تغادر , خير ورزق وبركة تمحق, حياة هانئة تتلاشى , دكان يسرق , بيت يحترق , طوق من اختناق يحيط العنق " على رجل كبير في السن مزحوم " حتى في وقت فراغه * مشغول ’ حتى في سفره * مهموم , لم يبرح مكانه * متعب , يصحو للتو من نومه * مرهق , هو ليس الوحيد من يمتلك بدنه فمعه الكثير , يشعر بهم في رأسه / جوفه / داخله / تحت جلده ‘ يأكلون ويشربون , يروحون ويجيئون , يضحكون ويبكون , إنه متخوم بهم , ولا يزال جاره يضرب سيارته بيده حتى باعها , لايتعب يذكره بعمارته حتى سقطت , عن سائقه والخادمة حتى هربا , عن شهادة ابنه ووظيفته حتى هجرها ..


تنطوي صفحته عن الكثير من المرهقين , ممن لا هم أدركوا الحياة ولا هم يدركهم موت , في صناديق يعيشون تكبر أنفسهم ولا تزال تلك الصناديق تصغر , رغم فسحة السماوات إلا أنها تبدو لهم كأرض فهم يعيشون بين سبع أراضٍ وسبع .




لندرك جميعاً أن من كانت يده في الماء ليس كمن هي على جمر , وندرك حقيقة أن الكُتَّاب بحق هم فقط من سطروا الأمثال بصدق ..




.

ليست هناك تعليقات: